قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)


6 ـ الاسلام والتنمية السياسية

سؤال: ما هو المراد من التنمية السياسية؟ وما هي نظرة الاسلام بشأنها؟

جوابه: ان لمفهوم التنمية السياسية مكانة مهمة في ميدان السياسة وعلمها، ولكن لم يزل هنالك الكثير من الغموض وعدم الوضوح يلف هذه المفردة1، ويمكن القول بجرأة انه ليس هنالك تعريف دقيق وواضح لمفهوم «التنمية السياسية»، ورغم ذلك حريٌ القول: ان التنمية السياسية تتركب من مفردتي «التنمية» و«السياسة»، وان توضيح كلٍّ منهما بامكانه ايضاح مفهوم التنمية السياسية اكثر:

ان التنمية (Development) عبارة عن نشاط يقوم به فرد أو مؤسسة أو مجتمع باكمله بالاستعانة بافضل الآليات والمستلزمات المقترنة بالبرمجة المتكاملة لبلوغ الهدف المرسوم لذلك النظام بسرعة وعلى احسن وجه.

وفي هذا التعريف تمّت الاشارة الى عنصرين احدهما كمّي وآخر كيفي، فقولنا «بسرعة» انما نريد به الكمّ الزماني لبلوغ المنشود، وحيثما كان ما ننشده هو ما ينشده المجتمع بأسره، سيكون ملازماً للمزيد من المشاركة الشعبية لتحقيق الهدف، واما قولنا «على احسن وجه» فنقصد به كيفية بلوغ الهدف، وهذه الكيفية انما تكتسب معناها عبر الآليات والعناية بالبعد القيمي من استخدامها والاهداف المتوخاة.

والسياسة«politics» عبارة عن: القيادة السلمية أو غير السلمية للعلاقة بين الناس، والفئات والاحزاب القوى الاجتماعية ـ والنشاطات الحكومية داخل البلاد، وللعلاقات التي تربط الدولة مع الدول الاخرى على الساحة العالمية2 والتي تأتي في اطار تحقيق اهداف ومصالح المجتمع وأبنائه.

بناءً على هذا فان مضمار التنمية في بعدها السياسي يتمثل في قيادة وادارة العلاقة بين الافراد والتنظيمات والنشاطات الحكومية والعلاقات الخارجية للبلاد التي انما تقام لكي يبلغ المجتمع اهدافه، وبطبيعة الحال، فان هذه الاهداف وان اشتركت في بعض الامور لكنها تختلف مع بعضها باختلاف الدول، فعلى سبيل المثال، ان غاية بلوغ الرفاه المادي والاقتصادي في بلادنا مقترنة بالتكامل الثقافي والمعنوي وسيادة القيم الاسلامية; وبعبارة واحدة: تحقيق السعادة الدنيوية والاخروية للمواطنين التي انما تتأتى في ظل العمل بالاحكام والتعاليم الاسلامية.

بناءً على هذا، فان قوام التنمية السياسية يتمثل في عنصرين احدهما كمّي والآخر كيفي. احدهما «المزيد من المشاركة الشعبية في الشؤون السياسية» والآخر «ادراكهم الافضل للقضايا السياسية»، بيد ان هذه العبارة اصبحت شأنها شأن الكثير من الشعارات الاخرى آلة بيد السلطويين ليفرغوا ـ من خلال تقديمهم تعاريف ومعايير خاصة ـ البلدان المستقلة ذات الثقافة والافكار الخاصة بها لاسيما الاسلام من اصالتها ويمهدوا السبيل لشن الهجوم الثقافي عليها3.

بيد ان مفهوم «التنمية السياسية» الحاصل من تركيب مفردتي التنمية والسياسة هو مفهوم انتزاعي، والمفاهيم الانتزاعية خاضعة للتعريف والتشخيص كلٌّ حسب معالمها4، وهذه المعالم تؤشر ما
هي المرحلة من التنمية السياسية التي يمر بها البلد، أفي مرحلة التطور وتكامل المؤسسات الجماهيرية أم مرحلة التنمية المتزلزلة وانهيار المؤسسات5.

والى جانب تأكيدهم على دور المشاركة السياسية في التنمية، يرى بعض ذوي الخبرة6 في «المؤسسة» معياراً فريداً في التنمية السياسية. وعلى هذا الاساس فان تلكم الانظمة المزودة بمؤسسات ثابتة ومستقرة ومعقدة ومنسجمة هي التي تعتبر انظمة سياسية متطورة7، وبناءً على هذا فقد وصف امتلاك المؤسسات المدنية المتماسكة والمستقلة بانه احدى المزايا المهمة للنظام المتقدم.

وستكون لسعة التنمية السياسية آثارها ايضاً، وقد عدَّ بعض المنظّرين8 بعض هذه الآثار بما يلي:

1 ـ تغيير الهوية من الدينية الى القومية ومن المحلية الى الاجتماعية.

2 ـ تغيير الشرعية من مصدر متعال الى مصدر واطئ.

3 ـ تغيير المشاركة السياسية من النخبة الى الجمهور ومن الاسرة الى الجماعة.

4 ـ تغيير توزيع المناصب الحكومية من مستوى الموقع العائلي والتمييز الى الانجازات والكفاءات9.

بعد المعرفة الاجمالية لمفهوم التنمية السياسية، يصل الدور لهذا التساؤل وهو: هل تنسجم التنمية السياسية مع الدين والنظام الاسلامي أم لا؟

كما تقدم، فان التنمية السياسية مفهوم انتزاعي يتم تعريفه في ضوء معالمه، ومن خلال نظرة واحدة يتسنى تقسيم معالم التنمية السياسية الى بُعدي الشرعية والكفاءة، وفي مثل هذه الحالة سيَكون التطور تابعاً للتقدم والتنمية في هذين البعدين الاساسيين.

ان الشرعية تعني التوفر على «المبرر العقلاني على الحكومة والامر والنهي الذي يمارسه شخص أو فئة على الآخرين»، وبتعبير آخر، لماذا يمتلك شخص أو اشخاص حق الأمر والنهي على الآخرين؟

كلما كان الجواب على هذا التساؤل اكثر دقة وعقلانية تكون الحكومة اكثر تطوراً وتقدماً من الناحية الشرعية، وقد تحدثنا في الجزء الاول من هذه السلسلة عن معايير الشرعية10 وذكرنا في معرض نقدنا لها بان افضل ملاك للشرعية هو «الحق الالهي في الامر والنهي والحكم على العباد»، لان هذا الحق متمخض عن حاكمية ومالكية وربوبية (بمعنى انه صاحب الاختيار) لله تعالى التكوينية والتشريعية على الانسان وكافة شؤون حياته. اذ ان الله سبحانه وتعالى وبحكمته البالغة وعلمه اللامتناهي وفضله غير المحدود وضع قوانين ومقررات تُفضي الى مصلحة الانسان وسعادته في هذه الدنيا وفي الآخرة، من هنا سيكون النظام الذي يؤسس شرعيته على اساس هذه الرؤية ارقى نظام سياسي.

بناءً على هذا، فان تلك الطائفة من المعايير والنتائج الناجمة عن التنمية التي تستدعي اقصاء المصدر الالهي السامي للشرعية والجنوح نحو غيره من الملاكات تتعارض قطعاً مع الاسلام والنظام الاسلامي ولن تحظى بالقبول أبداً.

أما على صعيد بُعد الكفاءة الذي يشتمل بدوره على عدة معالم من التنمية السياسية ـ فان الفكر الديني يقتضي بان نسير في اطار القوانين الالهية، وبتعبير آخر، ان حكم الله وقانونه هو المقدّم حينما تستلزم مجموعة من الشواخص أو جزء ومفهوم من شاخص واحد تجاهل الاحكام الثابتة والقطعية في الاسلام، ويتم اقصاء المورد الذي يتعارض ويتنافى مع الدين، وكمثال على ذلك، ان احدى افتراضات التنمية ومعالمها علمنة الثقافة أي دنيويتها وسلخها عن الدين ـ ومن الواضح ان مثل هذه المقولة لن تحظى بقبول الاسلام والنظام الديني، أو امور من قبيل حرية الصحافة، فهي موضع قبول مادامت لا تؤدي للاخلال بالاسس الدينية والقيم والعفّة والمصالح العامة والامن الوطني، مثلما ان اضطراد النشاطات السياسية لن يكون مسوغاً للمخاطرة بالوحدة الوطنية ومحاولة الاطاحة بالنظام الاسلامي.

ومن ناحية اخرى، فان القاء لمحة على تاريخ عشرين عاماً مضت على الثورة الاسلامية تبرهن على ان الكثير من مقومات التنمية تعد بحد ذاتها هدية قدَّمتها الثورة الاسلامية بحيث وُصف نظام الجمهورية الاسلامية على انه من اكثر انظمة العالم شعبية وسياسةً، اذ ان اضطراد حق التصويت والانتخابات الحرّة، وازدياد المشاركة السياسية للجماهير في شتى المجالات، وفي مراكز اتخاذ القرار والحرية المعقولة والمقبولة للصحافة... الخ باجمعها كانت من انجازات الثورة الاسلامية الجبارة. اضف الى ذلك ان الشعور بالتكليف الشرعي كعنصر قوي جداً وحافز مضاعف نحو المشاركة في النشاطات السياسية من قبيل المسيرات والانتخابات والتصدي للمسؤوليات وتقديم المعونات المادية والمعنوية والتواجد في جبهات الحرب... الخ انما يتبلور نتيجة لايمان الشعب بالهية واسلامية الحكومة ولن يكون هنالك بديلٌ وعوضٌ عنه اذا ما افتُقد أو تضاءل رونقه.

كما ان استقلال المؤسسات لا يعني عدم تدخل الدين والفكر في بناء المؤسسات داخل المجتمع الديني وعملها وغاياتها، اذ ان فصل دائرة الدين عن دائرة سائر المؤسسات بنحو نعمل في سائر المؤسسات بمعزل عن الدين بشكل كامل، يعد امراً لا ينسجم مع الاسلام الذي له حكمه وقانونه المنسجم مع الهدف من الخلقة على صعيد كافة شؤون حياة الانسان.

بناءً على هذا، الاسلام دينٌ ليس غير متعارض مع التطور والتنمية في شتى المجالات فحسب، بل انه يريد أن يكون الانسان افضل في يومه مما كان عليه في أمسه، غاية الأمر انه يريد هذا التطور والرقي في اطار اصوله واحكامه وقيمه الدينية، لأن السعادة الحقيقية للانسان حتّى في هذا العالم، بالاضافة الى السعادة الاخروية، انما تتحقق عن هذا الطريق، وإلا فان مختلف المشاكل النفسية والاخلاقية والفكرية التي يعانيها الغرب الآن بالرغم من تقدمه الكبير ليس بالامر الخافي على أحد.

وكنموذج ملموس على ما ندعيه هو اسبانيا إبان عصر حاكمية الاسلام فيها، حيث اعترف الغربيون انفسهم بانه لولا التراث الذي خلّفه الاسلام في اسبانيا لبقي الغربيون يعيشون حالة شبه همجية ولما حصلوا على هذه الصناعات والتطور أبداً.

بناءً على هذا، فان تلك الثّلة التي تحاول وصف الدين معارضاً للتطور ويهتفون بـ «تضاد الشريعة مع العصرنة» ويخلصون الى نتيجة مفادها: إما القبول بالتطور والحداثة واقصاء الدين جانباً، وإما الوفاء للدين والتخلف عن ركب التطور والتنمية; إما هم يجهلون الاسلام أو يحاولون القضاء على الدين والتدين ومسخهما في الميادين الاجتماعية على اقل تقدير وسيادة العلمانية.

ولا نُخفي ان المسلّم به عند دعاة التنمية السياسية هو «النسبية» في المعرفة بمعنى ان ليس من أحد أو فكر يمثّل حقاً مطلقاً، وعليه لابد من التحلي بالمداراة والتساهل مع مختلف الافكار لان لكلّ مذهب نصيباً من الحق، وان الاستنباط من الدين والنصوص الدينية ليس مستثنىً من هذه القاعدة، ومن ذلك تنشأ ما يصطلح عليها «القراءات المتعددة». اذن التمسك بامور تحت عنوان اصول وقيم دينية لا تحتمل التغيير يعدُّ ضرباً من التعصب والرؤية غير الواقعية.

وللرد على الحديث الأخير نقول: ان اصول الاسلام وكذا احكامه وقوانينه القطعية والضرورية امور ثابتة ومطلقة، ونظراً لقطعية البراهين الدالة عليها ليس هنالك مجال لاستنباطات متعددة، واننا لو لم نفترض هذه الطائفة من المسائل الاسلامية على انها ثابتة ومطلقة لم يبقَ ما نذكره تحت اسم الاسلام.

* * * * *





1. عبد الرحمن عالم، قواعد علم السياسة: 123، نقلاً عن لوسين باي Lucian.w.pye.

2. نفس المصدر: 30.

3. لقد اسهبنا في الحديث بهذا الشأن وكذلك حول استراتيجية العدو لبلوغ مآربه الاستعمارية وذلك لدى الاجابة على السؤال اللاحق من هذه السلسلة.

4. بناءً على هذا، فاننا وبتقديمنا لتعريف مباشر لهذا المفهوم «التنمية السياسية» ندرج فيما يلي المعالم الاساسية له:

أ ـ تنامي حق التصويت والانتخابات الحرّة المتميزة بكثرة المنتخبين.

ب ـ التسييس أو المزيد من المشاركة الجماهيرية في الاحداث السياسية.

ت ـ المشاركة الجماهيرية في مراكز اتخاذ القرار.

ث ـ اضطراد المصالح من خلال الاحزاب السياسية واستتباب الديمقراطية.

ج ـ حرية الصحافة وتطور وسائل الاعلام.

ح ـ توسيع الامكانيات التعليمية.

خ ـ استقلال السلطة القضائية وسيادة القانون.

د ـ محورية الدنيا في الثقافة العلمانية .

ذ ـ قوات مسلحة بعيدة عن السياسة.

وفي المقابل فقد ذُكرت بعض المعالم التي تؤدي الى زعزعة مسيرة التنمية السياسية وهي عبارة عن:

أ ـ الفساد السياسي الذي يصب في المصالح الشخصية.

ب ـ صنمية الحكام.

ت ـ تعظيم وتكريم الفكر الرسمي الحاكم.

ث ـ التزام المسؤولين بخط الحزب الحاكم.

ج ـ التدخل الاجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد.

ح ـ تسييس القوات المسلحة.

خ ـ المظاهرات الاحتجاجية باستخدام العنف.

د ـ قمع المعارضين.

ذ ـ تفشي الفساد وسوء الادارة.

ر ـ الاغتيالات السياسية.

5. المصدر الآنف الذكر، عبد الرحمن عالم: 127 129، بقليل من الاختصار والتصرف.

6. صاموئيل هانتينغتن.

7. البروفسور برتران بديع «التنمية السياسية»، ترجمه الى اللغة الفارسية: الدكتور احمد نقيب زاده، ص 82.        

8. ليونارد بيندر Leonard Binder.

9. عبد الرحمن عالم، المصدر المتقدم: ص 126.

10. الاستاذ محمدتقي مصباح اليزدي، اسئلة وردود: 1 / 17 ـ 21.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوري اسلامي - مؤسسه آموزشي و پژوهشي امام خميني(ره)
پست الكترونيك: Info@MesbahYazdi.Org *** تلفن: 32113225-025